فخر الدين الرازي

80

تفسير الرازي

قلنا : فيه وجهان : الوجه الأول : أنه لما كان المعطي لكل الخيرات هو الله تعالى فمن أثبت لله شريكاً فقد أضاف إليه بعض تلك الخيرات فكان جاحداً لكونها من عند الله تعالى ، وأيضاً فإن أهل الطبائع وأهل النجوم يضيفون أكثر هذه النعم إلى الطبائع وإلى النجوم ، وذلك يوجب كونهم جاحدين لكونها من الله تعالى . والوجه الثاني : قال الزجاج : المراد أنه تعالى لما قرر هذه الدلائل وبينها وأظهرها بحيث يفهمها كل عاقل ، كان ذلك إنعاماً عظيماً منه على الخلق ، فعند هذا قال : * ( أفبنعمة الله ) * في تقريره هذه البيانات وإيضاح هذه البينات * ( يجحدون ) * . المسألة الثالثة : الباء في قوله : * ( أفبنعمة الله ) * يجوز أن تكون زائدة لأن الجحود لا يعدى بالباء كما تقول : خذ الخطام وبالخطام ، وتعلقت زيداً وبزيد ، ويجوز أن يراد بالجحود الكفر فعدي بالباء لكونه بمعنى الكفر والله أعلم . قوله تعالى * ( وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَباِلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ) * اعلم أن هذا نوع آخر من أحوال الناس ، ذكره الله تعالى ليستدل به على وجود الإله المختار الكريم ، وليكون ذلك تنبيهاً على إنعام الله تعالى على عبيده بمثل هذه النعم ، فقوله : * ( جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ) * قال بعضهم : المراد أنه تعالى خلق حواء من ضلع آدم ، وهذا ضعيف ، لأن قوله : * ( جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ) * خطاب مع الكل ، فتخصيصه بآدم وحواء خلاف الدليل ، بل هذا الحكم عام في جميع الذكور والإناث . والمعنى : أنه تعالى خلق النساء ليتزوج بهن الذكور ، ومعنى : * ( من أنفسكم ) * مثل قوله : * ( فاقتلوا أنفسكم ) * ( البقرة : 54 ) وقوله : * ( فسلموا على أنفسكم ) * ( النور : 61 ) أي بعضكم على بعض ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : * ( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً ) * الروم : 21 ) قال الأطباء وأهل الطبيعة : التفاوت بين الذكر والأنثى إنما كان لأجل أن كل من كان أسخن مزاجاً فهو الذكر ، وكل من كان